ابن خلكان
28
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
شديدا ، وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه ، فوصف له يوما مزوّرة « 1 » ، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه ، فقال للغلام : اصنع هذه المزورة ، وكان بعض رؤساء البلد عنده حاضرا ، وقد جاء يعوده ، فقال ذاك الرئيس : هذا الغلام ما يحسن طبخها ، وعندي طباخ من صفته وصفته ، وبالغ في حسن صنعته ، فترك الغلام عملها اعتمادا على ذلك الرئيس وقعد البحتري ينتظرها ، واشتغل الرئيس عنها ونسي أمرها ، فلما أبطأت عنه وفات وقت وصولها إليه ، كتب إلى الرئيس : وجدت وعدك زورا في مزورة * حلفت مجتهدا إحكام طاهيها فلا شفى اللّه من يرجو الشفاء بها * ولا علت كف ملق كفّه فيها فاحبس رسولك عني أن يجيء بها * فقد حبست رسولي عن تقاضيها وأخباره ومحاسنه كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة . ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف ، وجمعه أيضا علي بن حمزة الأصبهاني ، ولم يرتبه على الحروف بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام . وللبحتري أيضا كتاب « حماسة » على مثال « حماسة أبي تمام » وله كتاب « معاني الشعر » . وكانت ولادته سنة ست ، وقيل خمس ومائتين . وتوفي سنة أربع وثمانين ، وقيل خمس وثمانين ، وقيل ثلاث وثمانين ومائتين ، والأول أصح ، واللّه أعلم . وقال ابن الجوزي في كتاب « أعمار الأعيان » : توفي البحتري وهو ابن ثمانين سنة ، واللّه أعلم بالصواب ، وكان موته بمنبج ، وقيل بحلب ، والأول أصح . وقال الخطيب في « تاريخ بغداد » « 2 » : إنّه كان يكنى أبا الحسن وأبا عبادة ، فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي عبادة فإنها أشهر ، ففعل .
--> ( 1 ) المزورة : نوع من الحساء يصنع للمريض . ( 2 ) تاريخ بغداد 13 : 447 .